كان علينا أنا وأمي وأخوتي أن نرافق أبي في رحلته الغرائبية ، نبدل الأصدقاء من حين لآخر ، ولأن قرار الرحيل يجيء بشكل مفاجىء وبتواطؤ خفي بين أبي وأمي فقد كنا نستيقظ لنجد أنفسنا محشورين مع أثاثنا المتواضع في شاحنة ، منتقلين الى بيت آخر بلا مقدمات ، هكذا في حركة دائبة تشبه حركة الليل والنهار. وذات يوم انتهى بنا المطاف في بيت قديم ذي شناشيل يقع في منطقة الشواكة ، أقمنا فيه على غير عادتنا لمدة عامين ، وهذا ما لم نفعله طيلة سنوات طفولتنا السعيدة! المهم أنني في تلك الأوقات التي بدأت منذ العام 1971 كنت قد بدأت في التعرف عليه، هل كان يقيم في البيت قبل مجيئنا ؟ لست أدري بيد أنني رحت أراقب ذلك الكائن الغريب المنبعث من روح المكان ، أو من أحجاره المتآكلة وهو يمارس طقوسه الغريبة ، فتارة أراه يتسلق جذع النخلة الوحيدة السامقة بخفة قرد ، وتارة يدخل في شقوق الجدران القديمة ويتوارى فيها مثل حشرة ، يتجول بيننا مبتسماً في إلفة بغيضة لا أعرف من أين يستمدها ؟ أحياناً أراه جالساً عند رأس أبي يضحك ساخراً ، أو يطارد أمي بقامتها القصيرة وجسدها المائل للبدانة منافساً أختي الصغيرة المتعلقة بأذيال ثوبها، يقف خلفها في المطبخ حين تصنع الطعام ، أو قرب صينية العجين يلوح بيده ناظراً الي ، كأنه يقول أنظر الى هذه المرأة الغبية كيف تفعل ، ولا أعرف لماذا صرت أجاريه في سخريته ، تعلمت منه أن أضحك من أقرب الناس الي، فضلاً عن الآخرين وتعرضت من جراء ذلك الى الضرب والتوبيخ ، نعم فليس من المناسب أن أضحك في أوقات يكون فيها الآخرون جادين أو غاضبين ، ويبدو أن أمي بطبيعتها المتسامحة تقبلت مني تلك الفلتات المفاجئة أما أبي الذي كان رجلاً سيء المزاج ، يخلد أحياناً في عزلته الى شرب الخمر هرباً من كآبته المزمنة، فقد كان يثور بجنون ويصفعني صارخاً في وجهي : " لماذا تضحك ؟ ما الذي يضحكك ياابن الكلب ؟ " . نعم لماذا كنت أضحك من تصرفات إخوتي وأمي البدينة وأبي الغاضب دائماً ؟ هذا ما لم أستطع فهمه أبداً. -2- في ذلك البيت اكتشفت أشياء كثيرة ، ومنها الصيد بالشص وصرت أمضي الى دجلة لاصطياد السمك برغم تحذيرات اخوي اللذين كانا يخشيان علي من الغرق ، وتعلمت أسماء السمك الذي يعرضه الصيادون في عرباتهم منذ الصباح الباكرفي سوق الشواكة ، وتمنيت حينها لو أعمل معهم على أحد القوارب ، لكن أحلامي التي بدأت تورق في تلك المرحلة بالقرب من الشاطىء والقوارب الجميلة ، قابلها خوف متزايد من أفكار غامضة كان الكائن الغريب يسكبها في رأسي باستمرار، ينام الجميع على السطح الترابي هرباً من حر الصيف وأظل مستيقظاً ، أعرف أنه قريب مني جداً فأشعر بالرهبة من وحدتي مع هذا الصديق العدو ، وبقدرة عجيبة أراني أرافقه في فضاء واسع أحلق فيها فوق البيوت مثل طائر ، أخشى من السقوط فيضحك لي مشجعاً ويخبرني أن لا أتوقف عن الطيران ، وهكذا صار بوسعي التنقل من مكان الى آخر بتحريك ذراعي دون خوف ، غير أنني بالمقابل تعلمت أيضاً بعض الأفكار السيئة حول أسرار الجسد ، وبت أفهم السر وراء انسحاب والديّ في وقت متأخر من الليل لينهمكا في لعبة غريبة! -3- هل يمكن لشيء أن يستمر في هذه الحياة ولا ينقطع ؟ أفسدت علي أحزان البيت هناءاتي التي زودني بها النهر والصيادون ، لم أعد أجلس على الشاطىء أراقب الزوارق وهي تتماوج فوق الماء ، وطيور النورس البيضاء تتراقص مع الهواء فوق صفحة الماء ، كل ذلك تلاشى في أحزان عائلتي حين أصاب أختي الصغيرة مرض لم يمهلها كثيراً فماتت ، كيف أهرب من نواح أمي المتواصل ؟ حتى أبي الغاضب أبداً صار يبكي بعد أن يشرب من زجاجته ، ثم توالت علينا الأحداث بطريقة مأساوية فقد سقط أبي ذات ليلة أثناء ذهابه الى المرحاض وكسرت ساقه ، وكذلك أخي الكبير الذي جاء به زميله من المدرسة مكسور الذراع بعد تمرين الرياضة ، كنت أراقب الجميع وهم يغرقون في أمواج الحزن المتتالية ، وأنكفىء لوحدتي وهمسات الكائن الغريب الذي واصل سخريته من الجميع وأحزانهم بطريقة جعلتني أشعر بالذنب ، كرهته في تلك الأوقات ولم أعد أجاريه في ضحكه ، كيف أضحك وروحي مفعمة بالشكوى ؟ وغزت مخيلتي المخاوف وشخصيات الحكايات التي كانت أمي ترويها لي في أمسيات سابقة ، فأصبحت جدتي الملفعة بالسواد " السعلوة " التي خطفت الصياد " هرموش " ، ووشيش سعفات النخيل زمجرة " الحنفيش " ، وو -4- فارقنا ذلك البيت الى بيت آخر وآخر ، وعندما كبرت كان الكائن الغريب قد كبر معي ، يشاطرني الأفكار مثل رجل بالغ ولا يسأم من مرافقتي أينما ارتحلت فهل سكن أعماقي ؟ كيف يعرف كل صغيرة وكبيرة تتعلق بحياتي ؟ ولماذا يلاحقني مثل ظلي ؟ لست أعرف ، شيء واحد جعلني أغفر له جميع خطاياه معي أنه علمني كيف أسخر من الحياة في أحلك أوقاتها ، ومن تلك الحيل انه أراني الجزء المختبىء في حكايات الناس ، الجميع يخفي حقيقته في أعماقه ولا يجرؤ على البوح بها لأحد ، كانت السخرية تتكشف لي عن ضعف الإنسان وعجزه عن رؤية ذاته الملبدة بالأسرار والرغبات التي يخجل منها ، هذا ما جعلني أتعاطف بمرور الوقت مع صاحبي الغريب ، وشيئاً فشيئاً لم أعد أشعر به وأصبحنا نتبادل الأدوار ، واختفت مني الريبة من وجوده في مساحات روحي المظلمة ، فهل احتلها الكائن وسكن عقلي فلم أعد أره؟ أتراه فارقني دون أن أشعر به أم توحد معي بطريقة غامضة ؟ هذا مالم أتمكن من معرفته ، وكلما حاولت أن أبذل جهداً للوصول الى جواب ، أجدني تائهاً في تجاويف عالم شاسع من التفاصيل والألغاز وتعتريني الحيرة ، فأستسلم مواصلاً حياتي، غارقاً في مشاغلها التي ليس لها نهاية.